الأبيميديوم العطار التركي

الغرب يضرب تركيا وروسيا: ماذا يعني؟ هل سنُسقط طائرة روسيّة أخرى؟!

يني شفق العربية - ابراهيم قراغول

العطار التركي | أول متجر تركي لبيع المنتجات التركية الطبيعية

تركيا بالعربي: إن العمليات التي بدأت تركيا تنفيذها في عفرين وستستمر حتى حدود إيران تعتبر جزءا من تصفية الحسابات بين القوى العالمية. فبلدنا بصدد كفاح كبير، ونحن أمام تصفية حسابات القرن الماضي لرسم خريطة القوى لمائة عام مقبلة.

إنّ هذا ليس موقفًا أو ردّة فعل خاصة بالظرف الحالي، بل إنها حملة جيوسياسية تاريخية تقوم بها تركيا، محاولة لتشكيل المستقبل، لا اليوم. وإنّها أقوى تدخل تقوم به تركيا في عهد صعودها الجديد؛ وهو إعلام العالم أجمع أنه لن يمكن بناء المنطقة دون تركيا أو كتابة التاريخ هاهنا أو رسم خريطة جديدة عن طريق تنحيتها جانبًا.

سترون أنّ تصفية الحسابات التي يشهدها ذلك الحزام ستؤدي إلى أكبر التغييرات على المستوى العالمي، حتى وإن اعتبرناها دفاعًا عن الوطن ومحاولة للقضاء على خط الجبهة الجديدة التي تحاصر بلدنا من ناحية الجنوب ومسعى لبعض الدول التي كانت حليفة لنا في يوم من الأيام لتركيع دولة عضو بالناتو عن طريق التنظيمات الإرهابية، وحتى لو اعتبرناها كردّ مشترك لجميع أبناء شعبنا على موجة الهجمات التالية لمحاولة انقلاب 15 يوليو/تموز.

تطويق روسيا: بداية معركة الشرق والغرب

إن قرار الولايات المتحدة بطرد 60 دبلوماسيًّا روسيًّا وقرار معظم دول أوروبا بطرد اثنين أو ثلاثة دبلوماسيين روس من كلّ دولة وصعود الصراع البريطاني-الروسي إلى السطح بصفته خط جبهة بين الشرق والغرب واستعدادات الكتلة الغربية لتمزيق روسيا ونواياها الصريحة للهجوم وملاحظة روسيا لهذا التهديد واتخاذها مواقفا مضادة وإقدامها على الهجوم بدلًا من الدفاع، كلّ ذلك دليل على انتظار العالم عاصفة قوية. فالخط الممتد من البلطيق إلى أوروبا الشرقية هو نقطة الانكسار بين الشرق والغرب، فتصفية الحسابات الكبرى والصراعات، بل وحتى الحروب، ستندلع في خط الصدع هذا.

وقد كان هجوم 15 يوليو/تموز الذي استهدف تركيا تدخلًا دوليًّا. كما أنّ حصار تركيا من الجنوب ومحاولة تنفيذ مخطط تأسيس “جبهة تركيا” على طول مئات الكيلومترات من البحر الأبيض إلى حدود إيران لهو جزء من تصفية الحسابات الدولية هذه.

إنّ هذه الحزام يشبه إلى حدّ كبير الخط الممتد بين البلطيق وأوروبا الشرقية. فهو خط انكسار ومنطقة تصفية حسابات. وثمة جبهات تصفية حسابات كبرى شبيهة لهذا الخط، مثل شرق آسيا والقوقاز والحزام الممتد من البحر الأحمر غربًا إلى جنوب شرق آسيا شرقًا..

اقرأ أيضًا:   الجيش التركي: ضبط 15 جهاز تفجير وعبوة ناسفة في "عفرين"

ربما نشهد تقاتل 10 دول أحد الأيام، هذا الحزام أحد الجبهات الكبرى

يجب أخذ الصراع البريطاني-الروسي على محمل الجد، فالأزمة بين التحالف الأطلسي المؤلف من أمريكا وأوروبا (الناتو) من جهة، وبين روسيا والقوى الآسيوية الصاعدة من جهة أخرى ستكبر أكثر. فهدف الغرب ليست روسيا فحسب، بل ستتسع الدائرة، بشكل أو بآخر، لتشمل الصين وبقية القوى الآسيوية.

وربما ينقسم العالم إلى معسكرين شرق وغربي، بل ربما نستيقظ ذات صباح لنرى أن 10 دول على الأقل دخلت في حرب أو اندلع صراع روسي-أوروبي في البلطيق أو إقدام الدول الغربية مجتمعة على مهاجمة روسيا.

إنّ تركيا تقع في قلب هذا الصراع الدولي الكبير. فهي تقع في مركز هذا الصراع من الناحية الجغرافية وكذلك الطموحات الكبيرة التي تحملها. نحن لا نحارب الإرهاب في شمال سوريا، ولا نصفّي حساباتنا مع التنظيمات الإرهابية في عفرين ومنبج وتل رفعت أو سنجار، بل نصفي حساباتنا مع هذا التحالف الغربي الاستعماري، ونرد هناك على حساباتهم لتقسيم تركيا.

سيخسر الغرب هذا القرن، لقد تغيّر مركز العالم

يجب ألا يعتبر أحد هذه العمليات على أنها قضية إقليمية ضيقة الأفق. ذلك أننا نعلم أنه في حالة اكتمال ذلك الحزام لن نتمكن من الحفاظ على وحدة تركيا، وسيفوتنا القرن الحادي والعشرين قبل أن يبدأ. ليس لدينا أي دعوى أكبر من هذه، ولهذا نطلق عليها اسم “كفاح القرن”.

لقد صار لزاما علينا أن ننظر إلى عالم المستقبل عن طريق قراءة ومعرفة وقياس قوة العاصفة التي تجرف العالم، وحجم التوتر الذي يسيطر على الأجواء العالمية، وأن أمريكا وأوروبا فقدتا رفاهية أن تكونا مركزا للعالم، وأنهما تحولتا إلى وحشين كاسرين بسبب هذه الخسارة، وأن رؤوس الأموال والتكنولوجيا كذلك انتقلت إلى القارة الآسيوية، وليس السياسة والأمن فقط، وأن المحور الأطلسي لن يستطيع مجددا أن يكون هو المسيطر الأوحد على العالم، وأننا سنشهد رسم ملامح خريطة قوى عالمية مختلفة ومثيرة للغاية كنتيجة لنقطة الانكسار والتحركات التي يشهدها عالمنا اليوم.

ستفشل مخططات “إيقاف تركيا”

لن يكون هناك تحالفات دائمة بعد اليوم، كما لن يكون هناك صداقات وعداوات دائمة. سنرى تحركات عنيفة ومدهشة لقوى كبرى، ولن تستطيع أي دولة الصمود إلا إذا كانت مستعدة لمواكبة هذا النسق الجديد. إنها حرب قوى ضروس لا هوادة فيها. لقد نفد مخزون الكلمات التي يمكن أن تقولها أمريكا وأوروبا لبقية دول العالم، كما أن هاتين القوتين فقدتا اعتبارهما وثقتهما لدى تلك الدول.

اقرأ أيضًا:   الصحف الإسرائيلية تخشى أردوغان وتتساءل عن مصير العلاقات مع تركيا

ولهذا فإن الفشل سيكون من نصيبهما (أمريكا وأوروبا) مهما شكلوا تحالفات وجبهات جديدة، كما سيكون الفشل حليف الجبهة الجديدة التي شكلوها جنوب تركيا من خلال الإمارات والسعودية وإسرائيل ومصر وكان هدفها الأساسي هو “إيقاف تركيا”، حتى وإن بدت في الظاهر تستهدف إيران.

مخطط تمزيق روسيا وإضعاف المحور الآسيويّ وإيقاف تركيا

ما يلفت انتباهنا أنّ هناك تشابهات كبيرة في مواقف الغرب العدائية تجاه روسيا وتركيا. ومما لم يعد يخفي على أحد أن الغرب يحاول تمزيق روسيا من جديد لنهب ثرواتها. لقد وضعوا على الطاولة مخططات كبيرة للغاية مثل تمزيق الأراضي الروسية الشاسعة وإخراج روسيا من المعادلة وإضعاف “الكتلة الآسيوية” التي تتصدى للتحالف الأطلسي ومراوغة الصين والهند.

تستشعر تركيا، مثلها مثل روسيا، تهديدا غربيا، بل إن الأمر تخطى حدود التهديد، فشهدت تدخلا داخليًّا، وعندما فشل بدؤوا تنفيذ مخططات التطويق من خارج الحدود. إن الغرب يهاجم تركيا الآن بشكل صريح. ولهذا فقد اختارت تركيا، بالضبط كما فعلت روسيا، طريقة مواجهة هذه التهديدات في الأراضي المفتوحة بدلًا من التصدي لها داخل الديار. وهذا ما يفسر موقفنا الجديد في سوريا، وهو ما سيستمر مستقبلا.

ينبغي لأنقرة وموسكو أن يدعمها بعضهما البعض

تواجه تركيا وروسيا تهديدات مشابهة، كما تشكلان دروع دفاع مشابهة. وأعتقد أنّ الأزمة الأوروبية-الروسية ستقرّب موسكو إلى أنقرة أكثر. وهو ما يجب أن يحدث، فهاتان الدولتان حرّي بهما أن تريا التهديدات العالمية وتدعما بعضهما البعض. إنّ من الواضح أنّ صعود الشرق قد بدأ، وهذا ليس من قبيل الحماسة. اكتبوا ملاحظاتكم حول أنّ الغرب دخل طريقًا مسدودًا، وأنّ الشرق يكتسب القوة بسرعة، وأن هذا يعتبر تحولا تاريخيا.

لن يستطيع الغرب تقديم أي شيء للإنسانية بعد اليوم، بل لن يقدم شيئا سوى جر العنصر البشري إلى المخاطر وهو يسيطر عليه جنون الخسارة والخذلان. وسنرى الولايات المتحدة وبضع دول من حلفائها وهم يفعلون كل هذا، وهو ما سيسرع من وتيرة انهيارهم. وأرى أن على البشرية الحذر من هذا الخطر.

اقرأ أيضًا:   أردوغان: لا يمكن لأية جهة أن تخيف تركيا بالتهديدات

المثابرة بسرعة البرق: أي ضعف صغير يساوي الانتحار

ينبغي لتركيا عدم التوقف في أي مكان بعد عفرين، وعليها ألا تتردد أو تلفت إلى تكتيكات المراوغة. فهي ستخسر في اللحظة التي تتوقف بها، ولن تستطيع البدء من جديد. لقد أصبح من غير المفيد طرح أسئلة من قبيل “هل سندخل منبج؟ ماذا سيحدث في تل أبيض وسنجار؟ هل يمكننا الوصول حتى قنديل؟”

إن وجود أي ضعف دفاعي صغير في إحدى أشرس هذا الصراع العالمية الكبير سيكون أمرا مميتا. يجب التحرك بسرعة البرق وعدم منح الفرصة والوقت إلى القوى الأجنبية لملأ الفراغ في هذا الحزام.

لا ريب أننا لسنا بحاجة لحدوث توتر أو صراع مع الغرب، بيد أننا لا يمكننا تسليم أنفسنا إليهم في الوقت الذي يهاجموننا فيه ويعقدون الاجتماع تلو الآخر لمناقشة خريطة “تركيا المقسمة”. ولهذا فإن التقارب مع روسيا في وقت كهذا يعتبر في صالحنا؛ إذ يجب النهوض بمستوى العلاقات بين أنقرة وموسكو.

ماذا يعني؟ هل سنُسقط طائرة روسيّة أخرى؟

لن يكون صراع تركيا أو سلامها، صداقتها أو حتى عداؤها؛ لن يكون قصيرَ الأمد اليوم ولا في المستقبل، لأنّ علينا التحرك من خلال ذاكرة سياسية تستمد قوتها من التاريخ الممتد لمئات السنين وطموحات كبيرة تشمل القرن الحادي والعشرين بأكمله. ينبغي لنا التقدم خطوات كبيرة والسير بطموحات عملاقة، فالعالم في المستقبل لن يرحم من يفضل أن يبقى صغيرًا.

أعتبر أنّ التصريح الصادر عن لقاء ترمب وماكرون بشأن “ضرورة تطوير التعاون مع تركيا حول سوريا” بمثابة فخ. ففي الوقت الذي تصفّي فيه أمريكا وأوروبا حساباتها مع روسيا، فإنهما ستحاولان بشتى الطرق النيل من التقارب التركي-الروسي. وقد فعلتا هذا سابقًا عندما أسقطت طائرة حربية روسية بأيدي عناصر منظّمة غولن الإرهابيّة.

ثم أضروا بتركيا كثيرًا في سوريا، وكذلك فإن رغبتهم في “تطوير التعاون مع تركيا في سوريا” تعتبر سيناريو مشابهًا وفخًّا جديدًا يجب على تركيا عدم الوقوع فيه مرة ثانية، لأننا إذا سقطنا سنفقد عفرين وحتى هاتاي (أنطاكيا)، ناهيكم عن المتابعة لما بعد عفرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.